علي بن محمد التركه
569
شرح فصوص الحكم
( الله طهّره جسما ونزّهه روحا وصيّره مثلا بتكوين ) وقد نبّهت على وجه مماثلته بآدم ، وهذا وجه مماثلته للحقّ ، وهو الظهور بالإبداء والإعادة فعلا ، والتطهير والتنزيه ذاتا وصفة . [ الروح مبدأ الحياة ] وبيّن أن موضوع البحث في الحكمة النبويّة - على ما عرفت - إنما هو تحقيق أمر الكلام ، والكشف عن أصل مادته التي هي الحياة ، ومبدأ صورته التي هي الصوت ، وبيان أنّ ذلك قد يتمّ أمره على غير المنهج المعتاد من التوالد والتناسل الطبيعيّ ، بل بضرب من الامتزاج الروحيّ بالموادّ العنصريّة ، فلذلك قدّم قصّة السامريّ قائلا : ( اعلم أن من خصائص الأرواح أنّها لا تطأ شيئا ) أي لا تقع على أرض من أراضي القوابل وتطأها ( إلا حييّ ذلك الشيء ) بقوّة قبوله ( وسرت الحياة فيه ) بحسب تلك القوّة التي لها نباتيّة أو حيوانيّة - على اختلاف طبقاتها - ( ولهذا قبض السامريّ قبضة من أثر الرسول الذي هو جبرئيل ، وهو الروح ) . [ العقل الأول في اعتباراته المختلفة ] فإنّك قد عرفت في المقدّمة أن للعقل الأول أسماء بحسب طريان الاعتبارات المتخالفة له ، وظهور سلطانها عليه ، فإنّه باعتبار التدوين والتسطير يسمّى بالقلم ، وباعتبار التصرّف والتصريف يسمّى بالروح « 1 » ، وباعتبار
--> « 1 » وبروح القدس الأعلى أيضا ، كما أن جبرئيل يسمى بروح القدس الأدنى . وروح القدس الأعلى هو المحمدية البيضاء والمحمدية المطلقة التي هي سرّ اللّه ونوره الساري في السماوات العلى والأرضين السفلى ، مرتبتها فوق مرتبتها البيضاوية ، وتلك المرتبة الفائقة هي حقيقة حقائق الأشياء كلها ، وهي الوحدة الحقة التي تصورت بصور حقائق الأشياء ورقائقها ، وهي ملاك الوحدة في الكثرة ، ومنزلة هذه الوحدة الحقة الإضافية من الوحدة الحقة الحقيقية التي هي مرتبة حضرة كنه الأحدية الإلهية منزلة الظل من الحقيقة ، ومنزلة الوجه من الكنه ، وإليه ينظر قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ 28 / 88 ] وقال أئمة أهل البيت عليهم السّلام : « نحن الوجه الذي يبقى بعد فناء الأشياء كلها » هو النور المحمدي الذي منزلته من حضرة الذات الأقدس منزلة التعرف والتجلي والظهور ، ومنزلة الكشف - كل باعتبار - ولما كان منزلة النور المحمدي من حضرة الذات منزلة الصورة والظل والمثل والمثال ، قال جل من قائل : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ 42 / 11 ] ، وبسريانه الاتحادي الذي يكون ذلك النور بسببه في كل شيء بحسبه ، قال عزّ من قائل : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ في ذيل قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - نوري .